للقاء الرئيس أردوغان.. ملف الهجرة والأزمات الإقليمية يتصدران مباحثات المستشار النمساوي Stocker في تركيا
النمسا ميـديـا – فيينا:
يبدأ المستشار الاتحادي النمساوي Christian Stocker، السياسي المنتمي لحزب ÖVP، يوم الأحد زيارة رسمية إلى العاصمة التركية أنقرة للقاء الرئيس التركي Recep Tayyip Erdoğan يوم الاثنين، وذلك عقب أزمة تصريحاته الأخيرة في ولاية سالزبورغ النمساوية بشأن رعاية الأطفال، حيث يرافق المستشار النمساوي وفد اقتصادي رفيع المستوى يضم وزير البنية التحتية النمساوي Peter Hanke والنائب الأول لرئيس غرفة التجارة النمساوية Wolfgang Hesoun، بهدف التباحث حول ملفات الهجرة والتجارة والأزمات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأسود عقب سقوط نظام الأسد في سوريا والتطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية.
زيارة رسمية إلى أنقرة وسط خبو أزمة تصريحات محلية في النمسا
تأتي جولة المستشار الاتحادي النمساوي Christian Stocker إلى العاصمة التركية أنقرة عقب زيارة قام بها إلى ولاية سالزبورغ النمساوية، وبعد أيام قليلة من التصريحات المُنقّدة التي أدلى بها ومفادها أن “رعاية الأطفال ليست عملاً”، وهي التصريحات التي أثارت موجة عارمة من الاستياء الاقتصادي والسياسي في الشارع النمساوي قبل أن يقدم اعتذاره الرسمي عنها. ورغم استمرار أصداء تلك الأزمة في النمسا، يسعى المستشار النمساوي التركيز خلال لقائه المباشر يوم الاثنين مع الرئيس التركي Recep Tayyip Erdoğan على ملفات استراتيجية وإقليمية شائكة، لا سيما وأن العلاقات الأوروبية والنمساوية مع الجانب التركي تشهد ازدواجية واضحة بين النقد السياسي للنهج السلطوي للرئاسة التركية والحاجة الأمنية والجيوسياسية المتبادلة.
التحولات الجيوسياسية والأهمية الاستراتيجية للجانب التركي
أدت التطورات المتسارعة الأخيرة في المنطقة، ولا سيما سقوط نظام الأسد في سوريا وتصاعد الحرب الإيرانية، إلى تعزيز الأهمية الاستراتيجية والدبلوماسية للجمهورية التركية في منطقة البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط. هذا الواقع الجديد وضع الدول الأوروبية والنمسا أمام خيارات معقدة؛ ففي الوقت الذي أجرى فيه وزير الخارجية التركي Hakan Fidan جولة أوروبية شملت العاصمة النمساوية فيينا لحشد الدعم لحصول بلاده على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، ما تزال مسارات الانضمام تعاني من جمود وتوقف كاملين نظراً للتحولات السياسية المحافظة والإسلامية التي شهدتها أنقرة تحت قيادة الرئيس Recep Tayyip Erdoğan.
دور وساطة أنقرة في النزاعات الدولية والعلاقات مع القوى العظمى
تَمكّن الجانب التركي من ترسيخ مكانته كلاعب وساطة محوري في النزاعات الدولية، لا سيما في الحرب الكائنة في أراضي أوكرانيا والأزمة الإيرانية عبر الصيغة الرباعية التي تضم تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان ومصر. كما يتمتع الرئيس التركي Recep Tayyip Erdoğan بعلاقات وثيقة مع الرئيس الأمريكي Donald Trump، وهو ما تجلى في استضافة تركيا لأول قمة لمنظمة حلف شمال الأطلسي (NATO) على أراضيها بداية شهر يوليو، عقب المشاركة النمساوية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي. وعلى الرغم من هذه الشراكة الغربية، تحافظ أنقرة على علاقات واثقة ومتوازنة مع كل من الفيدرالية الروسية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ملف الهجرة والضغوط على حدود الاتحاد الأوروبي
يشكل ملف الهجرة محوراً أساسياً في المباحثات الثنائية بين المستشار النمساوي Christian Stocker والرئيس التركي Recep Tayyip Erdoğan. فعلى الرغم من مرور عشر سنوات على اتفاقية اللاجئين الشائكة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، تدرك الأوساط السياسية النمساوية والأوروبية مدى قدرة الجانب التركي على استخدام الملف الضاغط، كما حدث عام 2020 عند فتح الحدود البرية للضغط المالي على الأوروبيين. وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار حالياً نحو المملكة المغربية وجيب سبتة التابع للسيادة الإسبانية على الحدود الجنوبية الغربية للاتحاد الأوروبي، تشهد الحدود التركية هدوءاً نسبياً في أعداد العابرين. وتأتي هذه المباحثات بالتزامن مع خطط الاتحاد الأوروبي لتفعيل خطط نقل إجراءات اللجوء وإقامة “مراكز العودة” (Return Hubs) في دول ثالثة خارج التكتل الأوروبي بحلول عام 2027.
تحديات مراكز الترحيل وموقع تركيا كدولة ترانزيت أمنية
تستبعد الأوساط التحليلية قبول الجانب التركي إنشاء مراكز عودة إقليمية للاجئين فوق أراضيه، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتزايدة في الداخل التركي وتصاعد المشاعر المناهضة للاجئين بين المواطنين الترك. وتدير السلطات التركية بالفعل منظومة ترحيل واسعة تشمل نحو 30 مركز إعادة احتجاز مُوِّل جزء منها عبر أموال الدعم الأوروبي. علاوة على ذلك، تلعب الأجهزة الأمنية التركية دوراً حيوياً بالنسبة لأجهزة الشرطة الأوروبية والنمساوية كبلد ترانزيت لعمليات الترحيل وفي مجال مكافحة الإرهاب.
الصمت الأوروبي تجاه ملف حقوق الإنسان وحسابات الخلافة في أنقرة
تنتقد الأوساط الليبرالية والسيكولارية في المجتمع التركي تراجع حدة الانتقادات الأوروبية والنمساوية للنهج السلطوي للرئاسة التركية، الناجم عن حاجة دول أوروبا للقيادة التركية كحارس للحدود. وتشهد الساحة السياسية التركية احتجاز وتجريد العديد من رموز المعارضة من مناصبهم التنفيذية، في حين يواصل الرئيس التركي Recep Tayyip Erdoğan تعزيز سلطاته قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028. وفي الأثناء، يدور صراع داخلي مكتوم داخل حزب العدالة والتنمية (AKP) حيال خلافة الرئيس، حيث برز اسم نجل الرئيس التركي – الذي زار العاصمة النمساوية فيينا لإفطار رمضاني بدعوة من منظمة UID المقربة من الحزب – إلى جانب وزير الخارجية التركي Hakan Fidan كأبرز المرشحين المستقبليين.
تعزيز الشراكات الاقتصادية والعسكرية بين فيينا وأنقرة
تزامناً مع تراجع الدور الأمريكي في القارة الأوروبية، اتجهت عدة دول أوروبية لتوسيع علاقاتها الثنائية مع الجانب التركي، لا سيما في قطاع التسليح والصناعات الدفاعية عبر تصدير الطائرات المسيرة التركية إلى كل من رومانيـا وبولنـدا، وإبرام صفقات عسكرية مع مملكة إسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا. وعلى الصعيد النمساوي، تسعى حكومة فيينا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية القوية مع أنقرة لمواكبة حجم تبادل تجاري يوشك على تجاوز حاجز 5 مليارات دولار أمريكي. ويرافق المستشار النمساوي في هذه الزيارة الرسمية الأولى له إلى تركيا كل من وزير البنية التحتية النمساوي Peter Hanke (من حزب SPÖ) ونائب رئيس غرفة التجارة النمساوية Wolfgang Hesoun، لتعزيز الاستثمارات النمساوية المتنامية وتدفق السياح النمساويين نحو الجمهورية التركية.